ابنك الاجتماعي .. مشكلة أم كنز ؟!

 

أسأله: "ما اسمك؟".. فينهمر سيل متدفق: "أنا أحمد.. ودا عمر أخويا.. أنا باحبه، وبساعد ماما في تأكيله، ولما بابا يرجع من الشغل أحكي له كل حاجة.." وعلى الجانب الآخر قد أعاني معاناة شديدة في استخراج الكلمات من فِيّ بعض الأطفال رغم محاولاتي المضنية، وأساليبي المتنوعة والمشوقة... هكذا هي الحياة إذًا.

طبيعة عملي كطبيب للأطفال تفرض عليَّ اللقاء بعدد كبير من أبنائنا في مراحل عمرية مختلفة، وأدير في كثير من الأحيان حوارات حية مطولة مع بعضهم، ومن خلال ملاحظاتي أثناء الحوار أستطيع أن أقرر أن الجانب الاجتماعي في شخصية أبنائنا يحتاج إلى نقاش صريح، فمن ناحية تعتبر المهارات الاجتماعية من أهم الجوانب التي يجب أن تنمى في نفوس الأبناء.. الفتيان منهم والفتيات على حدٍّ سواء... ومن ناحية أخرى يتباين المربون والآباء في تعاملهم معها، وقدرتهم على تنميتها.

إن تنمية هذا الجانب المهم من جوانب التربية لا يجب أن يتأخر، فالمربي الحاذق يعمل على تنمية المواهب الاجتماعية للطفل منذ نعومة أظافره، وإلا سيصبح من العسير التعامل مع طفل نشأ منطويًا، واكتسب عادة الخجل الاجتماعي منذ الصغر.

وتتعاظم أهمية التربية الاجتماعية المبكرة للأبناء حين يكتشف المربي موهبة اجتماعية مميزة في الطفل منذ صغره.. هنا يصبح لزامًا على المربي أن يبذل كل جهده لتنمية هذه الموهبة الناشئة، وتوجيهها والاستفادة منها.. فكيف يمكنه فعل ذلك؟

اكتشف ابنك الاجتماعي

أول ما يواجه الوالدين والمربين هو "كيف نكتشف الجوانب الاجتماعية في أبنائنا؟".. وهو سؤال على بساطته إلا أنه يمثل تحديًا حقيقيًّا في العملية التربوية.. دعونا إذًا نوضح بعض الملامح التي يمكن للمربي أن يكتشف الجانب الاجتماعي في الطفل بملاحظتها:

- الرغبة الدائمة في اللعب بجوار الوالدين أو الأطفال الآخرين في الشهور الأولى من العمر.

- حب اللعب الجماعي مع الأطفال الآخرين.. أو الكبار.

- القدرة على مصاحبة أقرانه والاندماج معهم.

- العيش في عالم الواقع أكثر من عالم الخيالات والأحلام.

- القدرة على إدارة حوار مع الآخرين، وإيجاد موضوعات مشتركة مع من حوله.

- الثقة بالنفس ومحاولة تطوير القدرات عن طريق التحدي بينه وبين أقرانه.

- الإقدام والشجاعة لا سيما في بدء العلاقات مع الآخرين.

- تحمل نقد الآخرين وتحويله إلى دافع للتطوير والتقدم.

- المشاركة وتجنب الأنانية في التعامل مع الآخرين.

- القدرة على التعبير عن المشاعر والأحاسيس بشكل جيد.

- كثرة الكلام نسبيًّا.. والرغبة الدائمة في إيجاد مَن يتحدث معه.

- التألم عند العقاب بالحرمان من الاختلاط بالآخرين.. وعدم التمتع بالعزلة.

إذا وجدت هذه العلامات الهامة في ابنك أو ابنتك.. فأسرع في تنمية الموهبة الاجتماعية في نفوسهما، فإنك تبني لبنة صالحة في مجتمعك.. ولنساعدك ببعض النصائح..

كيف أنمي مواهب أبنائي الاجتماعية؟

هي ليست مهمة سهلة بكل تأكيد، وتحتاج من المربي إلى عناية واهتمام وجهد.. ولكن.. مع مراعاة القواعد الذهبية التالية يمكنك التغلب على هذه الصعوبات:

- يجب أن يتوفر الجو العائلي المترابط؛ بحيث يكون الحب والمودة هو الجو السائد في الحياة الأسرية من خلال علاقة وطيدة بين الأب والأم والإخوة والأخوات، وصلة رحم لكل الأقارب، فذلك الجو يساعد الطفل على النشأة الاجتماعية الصحيحة.

- مجال التدريب الاجتماعي الأول داخل الأسرة؛ إذ يتعود الأبناء على العلاقة الحسنة والمحترمة مع الوالدين، من خلال البر والاحترام المتبادل.. كما يتدرب الطفل منذ الصغر على كيفية التعامل مع الإخوة والأخوات من الجنسين.

- توسيع المجال من خلال التدريب الاجتماعي العائلي؛ فيتدرب الطفل منذ صغره على إقامة علاقات اجتماعية مع الأقارب من الطرفين، مع مراعاة الحدود الشرعية، من خلال تنمية خلق الحياء، وتعود التعامل المنضبط مع الأقارب من الجنس الآخر.

- التدريب على التعامل الاجتماعي مع الضيوف؛ فيربى الأطفال منذ الصغر على استقبال الضيوف وإلقاء السلام عليهم، ويتم تدريبه على حسن الاستقبال وآداب الحديث، وكيفية المشاركة بالأحاديث الاجتماعية مع الصغار والكبار من الجنسين.

- يتدرب الطفل من الصغر على مهارات اكتساب الأصدقاء؛ فيعمل المربي على توسيع دائرة معارف الطفل منذ الصغر، ويشجعه على تكوين صداقات جديدة، ويعلمه مهارات الاحتفاظ بالصداقات القديمة.. ويجب أن يتعرف المربي إلى أصدقاء الطفل جيدًا، ويوجهه نحو الاختيار الأمثل ومعايير الاختيار للأصدقاء.

- التدرب على فنون الاحتفاظ بالعلاقات الاجتماعية؛ فيعمد المربي إلى تعليم الطفل كيف يتفقد أحوال أقاربه وأصدقائه، ويسأل عن الغائب منهم، وكذلك المبادرة بالتهنئة في المناسبات السعيدة بالنجاح والأعياد.

- التدريب على التأثير الاجتماعي الإيجابي: يساعد المربي الطفل على إنضاج شخصيته الاجتماعية، ويعلمه كيف يكون قدوة للآخرين في سلوكه، وكيف يؤثر فيهم إيجابيًّا.. وينتبه المربي لأي تأثير سلبي في شخصية الطفل ويتعامل معه.

- التدريب الاجتماعي العملي: وهو خطوة هامة يتشارك فيها المربي مع الطفل في النشاطات الاجتماعية بهدف التدريب على المهارات الاجتماعية وتنميتها، فتعمل الأم على مصاحبة ابنتها في بعض زياراتها لصديقاتها، ويشارك الأب ابنه في زيارة أصدقائه ويتعرف عليهم.

- اكتساب مهارات التعامل مع أصناف الناس المختلفة: وهنا يبرز دور المربي في توجيه الأبناء للطرق المثلى للتعامل مع الأصناف المختلفة للأقارب والأصدقاء، الإيجابية منها والسلبية، فيتعلمون مثلاً التعامل مع الشخصيات الاستغلالية والثرثارة والأنانية، ومع الشخصيات الطيبة الودودة والعاطفية صادقة المشاعر.. وغيرها من أنماط الشخصيات البشرية.

- إتقان "اللباقة الاجتماعية": فالشخص اللبق يجمع بين خفة الروح، وإتقان الاتصال بالناس، وتقدير الآخرين واحترامهم، والاعتراف بميْزاتهم وفضائلهم، والابتداء بالسلام والسؤال عن الحال، والثناء وبيان المحامد من غير مبالغة، والتصرف المناسب في المواقف المربكة والمحرجة، والتغافل وعدم التدقيق.. فعلى المربي إذًا أن يدرب الطفل على هذه المهارات.. بالتدريج وبشكل دائم.

- التدرب على التحكم في المشاعر: فحتى يكون المرء لَبِنة صالحة في بنيان اجتماعي قوي، فإن عليه أن يبني علاقاته على أساس عقلاني قوي، والنظر إلى المشاعر والعواطف على أنها نتائج وثمرات لتصرفاتنا وليست أشياء حتمية.. ومن هنا يجب تدريب الأبناء منذ نعومة أظافرهم على فنون التحكم في المشاعر والعواطف؛ لإتقان بناء العلاقات الاجتماعية السوية.

- سرعة الألفة والتآلف: ففي الحديث: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون، وليس منا من لا يألف ولا يؤلف" (أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري).. فلندرب الأبناء على طيب الكلام، ومباسطة الناس ومخالطتهم ومداعبتهم، والمغفرة للآخرين والتجاوز عن هفواتهم.

- مهارة اكتساب الثقة: فبناء علاقات اجتماعية سوية ومتينة يقوم أساسًا على الثقة المتبادلة؛ لذا وجب علينا تعليم أبنائنا المهارات اللازمة لاكتساب ثقة الآخرين.. علموهم فنون حفظ الأسرار، وتقديم النصيحة والمشورة، دربوهم على وضع ثقتهم فيمن يستحق الثقة، حثوهم على السلوك القويم والابتعاد عن مواطن الشبهات.

- التدرب على " البساطة والوضوح ": يحب الناسُ الوضوحَ، والوقوف على كل ما يتعلق بمن يرغبون الاندماج معه؛ لكن هذه الرغبة، تصطدم برغبة أخرى، هي حرص الناس على أن يكون لهم خصوصياتهم؛ ولذا فلا بد من التوازن في هذه المسألة فيحدد الإنسان ما يعده خصوصيات له، فيكتمه، ويلبِّي رغبة إخوانه ومحبيه في الكشف عما عداه.. وأعتقد أن هذا مهم للاندماج والائتلاف.

- القدرة على تقبل النقد والرأي الآخر: علِّم ابنك كيف يستمع للرأي الآخر، ويتقبل الآراء المخالفة له، ويقدر مشاعر الآخرين.. علِّمه كيف يتقبل النقد الموجه إليه، ويستفيد منه في تطوير ذاته، ويرحب به كأنه هدية قيمة.. إن هذا طريقه لعلاقات اجتماعية قوية

من ايميل ناصح *

الكاتب : د. أشرف نجم
 23-10-2011  |  7201 مشاهدة

مواضيع اخرى ضمن  التربية الأسرية


 

دورات واعي الأسرية


 
 

إستطلاع الرأي المخصص لهذا اليوم!


هل ترى أهمية لحضور دورات عن العلاقة الخاصة بين الزوجين :

    
    
    
    
 

ناصح بلغة الأرقام


4008

الإستشارات

876

المقالات

35

المكتبة المرئية

24

المكتبة الصوتية

78

مكتبة الكتب

13

مكتبة الدورات

444

معرض الصور

84

الأخبار

 

إنضم إلى ناصح على شبكات التواصل الإجتماعي


 

حمل تطبيق ناصح على الهواتف الذكية


 

إنضم إلى قائمة ناصح البريدية


ليصلك جديدنا من فضلك أكتب بريدك الإلكتروني