العلاقة بين الزوجين من المنظور القرآني ( الزوجية والزواج، المفاهيم ومستويات العلاقة)

 

 
هناك جانب معتم في منهج صوغ الأحكام وتقييمها هو ما نسميه بروح الخطاب الديني. لا يشكل هذا الجانب المعنوي/القيمي في الخطاب القرآني مساحة محدودة بل يشكل فضاءً متسعًا من الخطاب، بحيث إن تجاهله يجعل عمليات القراءة والاستدلال مقصورة على الجزء الأقل من متن القرآن. كما لا يشكل على صعيد الكيف وضعية أضعف من خطاب الأمر والنهي والتوجيه. فقد رهن القرآن الكريم صحة التصرفات وشرعيتها في كثير من الأحيان باستيفاء هذا الجانب في موضوع المرأة على وجه التحديد كما يؤدي افتقاده إلى نتائج شديدة الخطورة تكاد تحول الخطاب من حيث مقاصده من النقيض إلى النقيض. في هذه الدراسة محاولة لاستيضاح تلك الأبعاد المعنوية الغائبة التي تخلق المفارقة الكبيرة بين الخطاب القرآني والخطاب الفقهي، في محاولة تهدف إلى إثارة سؤال مهم وحتمي مؤداه:
كيف يمكن أن يتضمن الخطاب الديني والثقافي العام روح القرآن ومقصده وتوجيهاته المعنوية التي هي جزء جوهري من شرعية الخطاب؟ ..
 
وتقوم هذه الدراسة بمعالجة ذلك من خلال تأمل آيات الذكر الحكيم فيما يتعلق بوصف العلاقة بين الرجل والمرأة المعروفة في القرآن بمفهوم الزوجية، مع التركيز على علاقة الزواج بشكل خاص، كفضاء جامع لصرح من التوجيهات والأحكام القرآنية التي تنبني في تكوينها وفي مقاصدها على الإحاطة بالجوانب المعنوية المختلفة للنفس البشرية. وبهذا المعنى تتخذ الدراسة من اللغة -معانيها وعلائقها وتراكيبها- أداة ووسيلة، فتقيم حوا را مع الكلمات و"النظم" القرآني الذي عالج قضايا الزوجية بجوانبها المتعددة. وللمقارنة، تحاول الدراسة إلقاء الضوء على الكيفية التي عولجت بها القضية نفسها، قضية الزواج في كتب الفقه الإسلامي، وذلك بيانًا للهوة التي تفصل بين الخطابين: القرآني، والبشري/ التاريخي، في محاولة للوصول إلى استنتاجات حول كيفية الارتقاء بالمعالجة القانونية لمستوى التقنين الإلهي المحيط.
 
أوّلا - الفضاء المعنوي في الخطاب القرآني:
من الخصائص الأصيلة في الخطاب القرآني تلك الطريقة التي يتوجّه بها هذا الخطاب إلى النفس البشريّة بملكاتها كافّة، فيشقّ مساراته إليها عبر العقل وعبر الشعور؛ الأمر الذي يعبّر عنه القرآن ذاته في غير موضع؛ يقول تعالى :
{ الله نزّل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربّهم ثمّ تلين جلودهم وقلوبهم لذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد }.الزمر: 23 . هذا التأثير النفسي العميق بأثره المباشر يعبّر عن احتواء القرآن كخطاب إلهي لطبيعة المخاطب -الإنسان- من حيث مصادره الإدراكيّة، وكذلك من حيث تكوينه الذي يمتزج فيه امتزاجا الكيان المادّي(الجسدي) بالمعنوي (الروح).{.. وبدأ خلق الإنسان من طين ثمّ جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثمّ سواّه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} السجدة 7– 9
هذه الإحاطة الإلهيّة بالطبيعة الإنسانيّة، وجدت دلالاتها - ليس في أسلوب بثّ الأحكام والتوجيهات إلى النفس فقط بل أيضا في نمط صوغ هذه الأحكام والتوجيهات، بحيث تراعي الأبعاد الإنسانية من جسد وعقل وقلب ، فيجيء الحكم شافيًا مرضيًا للدواخل كما جاء متوافقا مع معطيات الخارج الواقعيّة. تأمّل قوله تعالى في حديث الميراث { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا } [ النساء :8 ] .
 
ورغم أنّ قضيّة المواريث من القضايا المحدّدة بدقّة وحسم داخل الخطاب القرآني، فإنّ الأية الكريمة ترسم لنا مشهدا ترقّ له القلوب، إذ يحضر وقت قسمة الأموال أناس من غير المستحقّين تبعًا لقاعدة قانونيّة مثبتة، لكنّهم من المستحقّين على الإطلاق لكونهم من الفقراء واليتامى، ومن ثمّ فإنّ القاعدة الشرعيّة هنا تتمدّد لتراعي - كجزء لا يتجزأ منها- هذا البعد المعنوي الأخلاقي الأصيل الارتباط بالموقف، ويجيء الأمر المباشر بإرضاء هؤلاء المساكين ليس بالمال فقط {فارزقوهم} ولكن أيضا بالقول الكريم {قولا معروفًا}.
إنّ التوجيه الإسلامي هنا يتجاوز زلاّت التقنين البشري المرتبطة بقدرات الإنسان الإدراكية المحدودة، فهو ينفذ مباشرة إلى الضمائر والنيّات فيخاطبها ويهذّبها ، وفي الحديث الذي يورده البخاري، يقول حدّثنا عبد الله بن مسلمة عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أمّ سلمة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال " إنما أنا بشر و إنّكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحقّ أخيه شيًئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".
 
لقد شيّد القرآن صرحًا من الأحكام والتوجيهات التي تعتبر بالأبعاد النفسيّة المعنويّة كمعطى وكجزء أصيل من الإنسان ومن ثمّ من المواقف الإنسانيّة المختلفة التي ينظّمها البيان الإلهي، وحرص على أن ينطوي الفعل الإنساني في محيطه الاجتماعي -بدوره- على مراعاة لهذه الأبعاد المثبتة التي خاطبه ووجّهه الله عزّ وجلّ.. 
 
إنّ الفعل الإنساني في منظومة الإسلام له عمق ومنطلقات واضحة ترتبط بمقاصد الشارع الكبرى في التوحيد والتزكية والعمران، ومن ثمّ فهو فعل مركّب في دوافعه وغاياته. في هذا الإطار يصير غرس شجرة -كفعل عمراني- واقعة إيمانيّة أصيلة تنطوي على الأيمان بضرورة العمل لاستئناف الحياة وحفظ النفس وتعمير الأرض وانتظار المثوبة في الأخرة...بل تصير الواقعة الجنسيّة في ذاتها واقعة لها أبعادها الإيمانيّة المعنويّة الأصيلة " إنّ في بضع أحدكم صدقة.. الحديث".
 
 * منقول : #مجلة_الأسرة

الكاتب : هند مصطفى
 29-12-2016  |  1358 مشاهدة

مواضيع اخرى ضمن  مقالات ودراسات


 

دورات واعي الأسرية


 
 

إستطلاع الرأي المخصص لهذا اليوم!


هل ترى أهمية لحضور دورات عن العلاقة الخاصة بين الزوجين :

    
    
    
    
 

ناصح بلغة الأرقام


4006

الإستشارات

876

المقالات

35

المكتبة المرئية

24

المكتبة الصوتية

78

مكتبة الكتب

13

مكتبة الدورات

444

معرض الصور

84

الأخبار

 

إنضم إلى ناصح على شبكات التواصل الإجتماعي


 

حمل تطبيق ناصح على الهواتف الذكية


 

إنضم إلى قائمة ناصح البريدية


ليصلك جديدنا من فضلك أكتب بريدك الإلكتروني