إخلال وإحلال

 

 
منهج الإسلام مبني على "الواقعية" في بناء السلوك الحسن ومعالجة السلوك السيئ، وذلك أنه يراعي قدرة الإنسان المحدودة وصفات الضعف التي تعتريه كالنسيان والعجلة وغيرهما، ولذا ذكر الله تعالى حكاية عن المؤمنين لما أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» الآية.
 
والأحكام الشرعية في الإسلام صيغت إما أوامر للعمل الطيب، وثوابه الجنة ترغيباً، أو نواهي عن العمل السيئ، وعقابه النار ترهيباً، وعلى المرء أن يعمل ما يستطيع ويبذل قدرته، فإذا قصر في العمل الصالح كالصلاة أو الصوم أو الزكاة وغيرها أو مارس عملا محرما خاطئا كالكذب أو الغيبة؛ حينئذ لا يقنط الإسلام المرء من التصحيح، ولا يؤيسه من رحمة الله.
 
لقد شرع له ثلاثة أعمال طيبة: الأول التوبة وهي ترك الذنب مباشرة، وثانيها الاستغفار ودعاء الله بمغفرة الذنب وعدم المؤاخذة، وثالثها الكفارات المطلقة والمقيدة، الكفارات هي عمل الصالحات سواء مطلقة كالأذكار وسنن الصلوات والصوم وغيرها، أو المقيدة ككفارة الحلف، وإفطار رمضان وغيرهما.
 
وهنا ملمح مهم وجميل في معالجة الخطأ بالإسلام انه يؤكد لمغفرة الخطأ وتسهيل معالجته على النفس، العمل الطيب الصالح مباشرة بعد الذنب أو الخطأ، فذلك أولاً يقلل أثر الخطأ السابق في النفس، ويضعف قوته، ثم يمحو أثره من القلب والنفس، إضافة إلى أن المرء لما عمل ما يغضب الله فأتبعه بما يحبه فذلك يفتح المجال للمغفرة والرحمة ولذا وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا ذر ومعاذا -رضي الله عنهما- لما بعثهما لليمن بثلاثة توجيهات للعلاقة مع الله والنفس والناس، «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»، والشاهد: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها» فالتوجيه النبوي قرر إمكانية وقوع الخطأ منهما! طيب ما العمل؟ مباشرة الإحلال بعد الإخلال، وعمل طيب بعد الخطأ، فذلك يمحو أثر الخطأ من القلب ويهيئ لمغفرته من الرب، وهذا ما أكدته آية سورة هود وسبب نزولها: «وأقم الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ».
 
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له فأنزلت عليه: «وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين»، قال: الرجل ألي هذه؟ قال: لمن عمل بها من أمتي؟ وفي لفظ: فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: بل للناس كافة.
 
والإنسان مادام معرضا للأخطاء في حياته فتح الله له أبواب التصحيح الكبيرة لمعالجة النفس واقعياً وربانياً؛ وهذا المنهج ليس معناه التهوين من الأخطاء والذنوب، وتسهيل مقارفتهما على النفس! لا.. وإنما توجيه رباني بعمل الحسن بعد القبيح، والطيب بعد الخبيث، فالإحلال بالصالحات بعد الإخلال بالطالحات من أعظم ما يحمي القلب من اليأس، ويحفظ القدم من السقوط الكبير، ويمنح النفس حياة ونوراً وحركة إيجابية إيمانية في الحياة.

الكاتب : د. عبد العزيز الأحمد
 17-01-2016  |  2137 مشاهدة

مواضيع اخرى ضمن  العلاقات الإيـمانـية


 

دورات واعي الأسرية


 
 

إستطلاع الرأي المخصص لهذا اليوم!


هل ترى أهمية لحضور دورات عن العلاقة الخاصة بين الزوجين :

    
    
    
    
 

ناصح بلغة الأرقام


3974

الإستشارات

857

المقالات

34

المكتبة المرئية

24

المكتبة الصوتية

78

مكتبة الكتب

13

مكتبة الدورات

413

معرض الصور

84

الأخبار

 

إنضم إلى ناصح على شبكات التواصل الإجتماعي


 

حمل تطبيق ناصح على الهواتف الذكية


 

إنضم إلى قائمة ناصح البريدية


ليصلك جديدنا من فضلك أكتب بريدك الإلكتروني